عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 22-05-2007, 11:35 AM
الصورة الرمزية فداء الحسين
فداء الحسين فداء الحسين غير متواجد حالياً
مشرف سابق لمنتدى بلدة جبشيت
 
تاريخ التسجيل: May 2007
المشاركات: 737
فداء الحسين لم يحز على نقاط بعد
افتراضي

رابعاً: ترميم مسجد شيت في جبشيت
من يقرأ سيرة شيخ الشهداء يسترعي انتباهه ارتباط الشيخ بالمسجد منذ أن كان صغيراً، وقد كان هذا الأمر مستهجناً لدى أقرانه في أوساط الستينات، وهذا يعود برأينا إلى الأسرة التي انتمى إليها الشهيد والتي عرفت بالتقوى والورع، وعلى الأخص والده الحاج #quot;أبو راغب#quot;، وعمه الحاج #quot;أبو مالك#quot; اللذان كان كل منهما مثال المؤمن العابد الزاهد.. والورع التقي، حتى غدا كل منهما مضرب المثل في سائر أنحاء القرية..
ويشب الفتى، فيزداد قلبه حبّاً للمسجد، حيث تراه على الدوام في مسجد #quot;شيت#quot;، ذلك المسجد الصغير الرابض وسط قرية جبشيت، إمّا جالساً في زاوية من زوايا باحته، أو قائماً يصلي، أو قاعداً يصلح ما أفسده الدهر، ثم تراه مرة أخرى جالساً تتحلّق حوله مجموعة من الناشئة، يبثّ فيهم دروسهم ومواعظه..
وإذ يباشر بإحياء صلاة الجمعة، ويضيق المسجد الصغير بالمصلين، يقرر الشيخ إعادة ترميم المسجد، وتوسيعه بما يتلائم وحشود المؤمنين، ويباشر #quot;أبو أحمد#quot; العامل بنفسه، فتلتحق به جماعات المؤمنين، وما هي إلا فترة قصيرة حتى ترتفع الأعمدة على مساحة ألف متر مربع، لتضم المسجد الأكبر في تاريخ جبل عامل، والذي تتسع جنباته لحوالي ثلاثة آلاف شخص..
إطلالة الثورة الإسلامية المباركة
مع حلول عام 1978، كانت رياح الثورة الإسلامية المباركة في ايران تتخطى كل الحدود، وتتجاوز العوائق والموانع، وكان المسلمون في لبنان يتتبعون آثارها أولاً بأول، ويواكبون مراحلها مرحلة بعد أخرى، ويتعطشون لمشاهدة مظاهر البطولة فيها، متطلعين بلهفة الى ساحات الشرف هنالك، حيث المواجهة الدامية في الشوارع، والهتاف الذي يملأ الفضاء، والقبضات المؤمنة والسواعد الفتية، وآلاف الشهداء، والأعداد الكبيرة من الجرحى..
يومها كانت الأنظار مشدودة نحو ابن الثمانين، وهو يتجلبب جلباب الهيبة والوقار، نحو الفقيه العادل الإمام الخميني Q والذي أشرق بنوره، كشمسٍ ساطعة في سمائنا، ليلف بعباءته الأرض، ويحتضن الجياع والمشرّدين، وأوجاع المعذبين، معلناً قيام الدولة الإسلامية، وبداية عصر جديد، هو عصر الثورة الإسلامية، عصر انتصار المستضعفين على الجلادين، وقد ترددت أصداء تلك الانتصارات في أعماق المجتمع الإسلامي، فأيقظت الروح الثورية في كيان الأمّة، وألهبت ضمائر شعوبها، وكان لهذا الانتصار الباهر والعظيم الأثر الكبير على الساحة اللبنانية، فطاول مختلف نواحيها، السياسية منها والثقافية والاجتماعية..
وهنا ــ في غمرة الانصار الكبير ــ هبّ الشيخ راغب، ليكون أول المستجيبين لندائها، المسارعين إليها، والفرحين أشدّ الفرح بإنجازها التاريخي الرائع، كيف لا؟ وقد تحقق أمام عينيه أمل طالما كان ينبض مع كل خفقة من خفقات قلبه، وحلم كان يختلج مع كل جارحة من جوارحه، فوقف على منبر بلدته جبشيت، في إحدى خطب الجمعة بعد انتصار الثورة الإسلامية مباشرة، قائلاً: #quot;إنّنا من على هذا المنبر، ومن هذا النادي الحسيني نعلن تأييدنا الكامل للثورة الإسلامية المباركة في إيران، ونبايع قائدها الإمام روح الله الخميني قائداً للمسلمين وأميراً عليهم#quot;..
ثم راح (رضوان الله عليه) يحث الناس على المبايعة، ويدعوهم لتقديم الولاء والطاعة، فجمع من أجل ذلك تواقيع المؤمنين، وأرسل برقية البيعة التي تعتبر الأولى من نوعها لتكون عربون وفاء للنصر الجديد المؤزر..
ولطالما دعا الشيخ الناس لتعبر عن فرحتها بالحدث الرائع، من خلال الاحتفالات والأعياد والمسيرات الشعبية، وفي إحدى المسيرات التي كان يقودها، تقدم إليه من بين الجموع مراسل إحدى الصحف المحلية، ليسأله عن الأسباب التي دعت لمثل هذا التجمع الشعبي، فردّ عليه قائلاً: #quot;إن هذه الجموع جاءت لتعلن المبايعة للثورة الإسلامية، ولتقدم الولاء لإمام الأمّة#quot;، وأضاف: #quot;وإننا من هنا، نقول للإمام الخميني، نحن وراءك، فوالله لو خضت البحر لخضناه معك#quot;.
وهكذا، فقد عاشت الثورة الإسلامية بقيمها الساميّة حيّة في قلبه، فكانت بالنسبة إليه القبلة الجهادية والسياسية والفكرية للمسلمين جميعاً، ومهوى أفئدتهم، ومحط آمالهم، ومرتع أحلامهم الجميلة، فتراه يزورها بشوق وشغف عند كل دعوة توجه إليه، يشارك في مناسباتها، ويلتقي مع المسؤولين فيها، مستمعاً لآرائهم، مستهدياً بتجربتهم، ثمّ يعود إلى ساحة عمله في لبنان، ليحدث أهله عن أجمل وأحسن ما سمعته أذنه..
ولكم تأذى حين كشفت الرجعية العربية عن وجهها الكالح البشع، وهاجمت بجيوشها الغارقة بأوحال الهزيمة أرض الجمهورية الإسلامية، واحتلّت قسماً منها بغية إجهاض الثورة وزعزعة أركانها، وتقويض دعائمها، في محاولة يائسة لإعادة عقارب الزمن إلى الوراء، لكن ورغم المرارة التي كان يبديها من جراء هذا العدوان السافر والبغيض، فقد كان واثقاً بنصر الله، مطمئناً لوعده، مردداً مقولة إمام الأمّة: #quot;الخير فيما وقع#quot;، قائلاً في إحدى خطبه: #quot;هذه الراية النبوية ستبقى مرتفعة، ولن تسقط أبداً حتى يتسلمها الإمام المهدي#quot;.
ولم يمض كثير من الوقت حتى تتوالى انتصارات جند الإسلام على جبهة الحق ضد الباطل، فيثلج ذلك قلبه، وتغمره الفرحة فؤاده، ثم يسارع من على منبر الجمعة، ليزف بشائر الانتصارات، فتطمئن حينئذ قلوب المؤمنين، وتستكين أرواحهم.
وعلى مدى الأيام أضحى منبر الشيخ مركزاً إعلامياً هاماً، ينقل من خلاله الصورة المشرقة الناصعة لجمهورية الإسلام، فيندد بالأقلام المأجورة، التي تكتب بمداد الشياطين الكبار، بهدف تشويه المعالم الحقيقة للثورة، ويدحض الأباطيل والأكاذيب، ويفند المزاعم والادعاءات.
عشقه للإمام
ولابّد أن نسجل هنا، عشقه الكبير والمتميز للإمام الخميني Q، وانبهاره بشخصيته الفذّة، وخضوعه أمام الوقار الذي كان يرتسم على محياه، وهذا ما تجلى خلال زيارة انفرد بها مع الإمام، تملكته فيها الخشية، حتى أنه لم يستطع أن يتحدّث إليه إلا بكلمات قليلة، يتأمّل بعدها خيوط النور التي كانت تشع من تقاسيم وجهه، .. لقد كان يرى في الإمام الولي الواجب الطاعة، والمعيار الذي تميز به الأمة الحق من الباطل، وكان يعتبر أن الخروج عن طاعته هو كفر وفسوق وعصيان، حتى ولو كان هذا الخروج يتغطى بمظاهر التقوى، ويتزيّا بزيّها، فحينما انبرت بعض العمائم لتقدم اعتراضها على نهج الإمام، تناول ذلك في إحدى خطبه ليقول: #quot;إنّ الإسلام الذي لم يستطيعوا خنقه بالصاروخ، فلن يستطيعوا خنقه بالعمامة، وإن العمامة التي لا تقول نعم للخميني نسقطها#quot;.
ولقد ظلّ الشيخ راغب (رضوان الله عليه)، نصيراً لقضايا الثورة الإسلامية، ولأهدافها السامية، يحملها في قلبه وفي وجدانه، واستمر يدافع عنها بقوّة في كل محفل ومجلس، حتى آخر لحظة من لحظات حياته#quot;.
مراحل المواجهة مع الاحتلال الصهيوني
قبيل فترة الاجتياح، عانى المجتمع اللبناني صنوف العذاب، وألواناً شتى من البؤس والشقاء، نتيجة الحرب الداخلية التي أثقلت كاهله، وأنهكته، واستنزفت كل طاقاته وإمكاناته، وزرعت بذور اليأس في قلوب أبنائه، مما أتاح الفرصة لليهود، ليحققوا أطماعهم التاريخية التي بها يحلمون.
ومع أوائل شهر حزيران من العام 1982، زحف العدو ليجتاح بجيوشه الجرارة وآلته العسكرية المدمرة أرضنا المعطاء، ملتهماً بنيرانه المحرقة معالم الحياة فيها، مدمّراً العوائق التي تعترض طريقه..
حدث كل ذلك وسط تواطؤ دولي، وسكوت عربي مقيت، وما استيقظ الناس ولا استفاقوا، إلا بعد ذهول كبير، زاغت فيه الأبصار، وبلغت القلوب الحناجر..
استيقظ الناس ليروا بأعينهم الحائرة، ذئاب الاحتلال الكاسرة، وهي تكشر عن أنيابها، وتنشب أظفارها لتنهش ما تبقى من الجسد الممزق..
حينها لم يكن الشيخ ماكثاً في الجنوب، فقد كان توجه وبدعوة من الجمهورية الإسلامية، لحضور مؤتمر إسلامي فيها، وهناك تناهت إلى مسامعه، أنباء الفاجعة الكبرى، وأخبار المحتلين، وهم يدنسون برجسهم أرض جبل عامل، فأحدث ذلك هزّة عميقة في نفسه، وأثار فيها الأسى، مما دفعه لاتخاذ قرار العودة فوراً، ليكون إلى جانب إخوانه، يشاركهم معركة الكفاح والجهاد.
لم تمض أيام قلائل حتى وصل إلى بلدته جبشيت التي استقبلته بحفاوة بالغة، والتقى زواره وجالسهم، واستمع منهم إلى تفاصيل ما جرى في غيابه، وسألهم عن أدق الأمور وصغيرها، ولكم كان سروره كبيراً، عندما علم أنّ صلاة الجمعة لم تتوقف، بالرغم ممّا حصل من محن وكوارث..
عاد الشيخ ورأى بأمّ عينه، واقع الاحتلال الأليم، يجثم بكابوسه الرهيب على صدور الناس..
عاد ليقرأ في أعين زواره وجلسائه علامات الحيرة والقلق والاضطراب، وأدرك في مكنون سرّه، أن لحظات حاسمة من تاريخه قد بدأت، وأن على عاتقه يقع دور هام وكبير، وأنّه إنما يأتي، ليأخذ موقعه الطبيعي في المواجهة، ومقارعة من هم أشدّ الناس عداوة للإسلام وللمؤمنين.
لقد كان ينتظر ذلك منذ وقت طويل، فكيف به الآن وهم أمامه، يضحكون وينتشون على أشلاء الجثث البريئة، يدنسون الأرض ويهتكون العرض..
ومنذ وصوله علم أن هناك قراراً بمنع التجوّل في المساء، فدعا الناس إلى المسجد للمشاركة في صلاتي المغرب والعشاء، تحدّياً للاحتلال وكسراً لقراره، ثم تابع دوره الرسالي كالمعتاد، وعاد ليؤمّ الناس في صلاة الجمعة، إلا أنها الآن وفي ظل حراب الصهاينة أصبح لها لون آخر.. لون مفعم بالبطولة والتحدي والعنفوان..
ولقد شهدت صلاة الجمعة في أسبوعها الثاني بعد الاحتلال، إقبالاً جماهيرياً كبيراً، ومشاركة واسعة من قبل الناس، فاستأنس الشيخ لمثل هذا الحضور الذي أكّد على أن المؤمنين بدأوا يلتقطون أنفاسهم، ويستعدون للنهوض، فتحدّث في هذه المناسبة، مذكراً بأحكام الإسلام، وضرورة الالتزام بها كاملاً، وحرمة التعاون مع أعداء الله.
المواجهة الأولى
في الثامن والعشرين من شهر شوال، عام 1404هــ، وبينما كان الشيخ كعادته، يسهر مع بعض إخوانه المؤمنين في داره، وإذا بهم يسمعون هتافاً قويّاً وصراخاً عالياً يرتفع بالتكبير والتهليل، توجّه الشيخ لاستكشاف طبيعة الأمر، فرأى الساحة العامة في البلدة تغصّ بالمؤمنين، وهم ينددون بجماعة العميل #quot;سعد حداد#quot; الذين فروا بعد مشادة مع الأهالي لاستقدام قوّة إسرائيلية، فجمع الناس ليلقي كلمة فيهم، وإذ بالقوة الإسرائيلية قادمة، فاصطدم معها الأهالي وكان في الطليعة الشيخ الشهيد، ورموها بالحجارة، وأشعلوا إطارات السيارات وسط الشارع العام، فعادت من حيث أتت، تجر أذيال الخيبة..
حينئذٍ وقف الشيخ أمام الجموع معلناً رفض التعامل، وحرمة التعاون بأي شكل من الأشكال مع العدو الإسرائيلي، داعياً عناصر ما يسمى بــ#quot;الحرس الوطني#quot; إلى التوبة وإلقاء السلاح والعودة إلى أحضان أهلهم..
المصافحة اعتراف
واصل الشيخ جهاده، متجولاً في قرى الجنوب ودساكره، مندداً بالاحتلال الغاشم، ومحطماً سياسة التطبيع والتهويد، وكان صوته المدوي، يهزّ أسماعهم، ويرعب قلوبهم، ويكشف الزيف عن وجوههم، فراحوا يفكرون بعمل ما، يسكتون فيه هذا الصوت، وبعد تفكير طويل، وجدوا الحل، فذهبوا إليه بزيارة يتحاورون فيها معه، علّهم يستميلونه ويكتسبون ودّه..
فجاؤوه عصر يوم الثلاثاء، في العاشر من ذي الحجة عام 1402هــ.. يومها كان جالساً على سطح منزله مع بعض إخوانه وأصحابه، رآهم يقتربون منه، فصرخ بوجههم ليعودوا، فلم يلتفتوا، وتقدموا حتى وصلوا إليه، ومدّ أحد ضباط الاحتلال يده لمصافحته، ولكن الشيخ أبى ورفض، فقال له: #quot;وهل أيدينا نجسة#quot;، فأجابه الشيخ: #quot;أنتم محتلون، ولا أريد مصافحتكم، أخرجوا من هنا، لا أصافحكم ولا أجالسكم#quot;..
فعادوا مدحورين، بعد أن تبين لهم إصرار الشيخ الرافض، وإرادته الراسخة القوية، واختلافه عن صنف كبير من الناس..
وبموقفه الرائع هذا، قطع الطريق على كل محاولات التدجين الهادفة إلى إخضاعه، وبات الصراع مع العدو مفتوحاً على مصراعيه..
وسرى خبر رفض المصافحة بين الناس، فاستاء الذين في قلوبهم مرض، وتساءل بعضهم، لِمَ لا ينجو الشيخ بنفسه، ويصافح القوّة المعتدية، فيردّ على ذلك مجيباً: #quot;إنّ أي تنازل للمحتل ولو كان صغيراً، سيتبعه تنازلات أخرى أكبر منه، ونحن غير مستعدين للتنازل حتى ولو عن قيد شعرة من حقوقنا#quot;.
وأيقن الشيخ أنه أصبح من الآن فصاعداً، ملاحقاً ومطارداً، ومعرّضاً للاعتقال في أي وقت من الأوقات، ولذا فعليه أن يكون حذراً في تنقلاته، ومحتاطاً في ذهابه وإيابه..
مداهمة منزله
وكما كان متوقّعاً، فقد داهم الجنود الصهاينة المدججون بالسلاح منزله مرات عديدة ومتتالية، كان أبرزها في كانون أوّل عام 1982م، الموافق 27 صفر 1403هــ، إلاّ أنهم لم يجدوا أي أثر له، وللتعويض عن فشلهم في اعتقاله، فقد صادروا من منزله سلاح الصيد الذي ورثه عن والده، وكانوا في كل مرّة يداهمون فيها منزله، يلجأون إلى أساليب رعناء، ويلقون الذعر في قلوب أطفال المبرّة الصغار الذين آواهم الشيخ في منزله، لعدم اكتمال بناء مبرّة السيدة زينب I.
زيارته للجمهورية الإسلامية
خلال هذه الفترة، لم ينقطع الشيخ عن زياراته المتكررة لبيروت، والتقائه بالعلماء العاملين فيها، والمؤمنين المجاهدين، يشاركهم صياغة تصور إسلامي واضح للمواجهة مع العدو، كذلك فإن زياراته للجمهورية الإسلامية لم تتوقف، حيث وصلها في العاشر من ربيع الأول عام 1403هــ، لحضور المؤتمر العالمي لأئمة الجمعة والجماعة، الذي كان سيعقد في طهران ضمن نشاطات أسبوع الوحدة، غير أن زيارته هذه المرة، بدأت تكتسي حلّة جديدة، وتكتسب طابعاً مميّزاً، خاصة بعدما برز كقائد شعبي يقود أبناء أمته نحو العزة والكرامة، وقد التقى مع المسؤولين هناك، ليرسم بالتعاون معهم الخطوط التفصيلية للعمل الجهادي ضد الاحتلال، وسبل مقاومته والتصدي له، وهناك علم بدخول الإسرائيليين إلى داره مرة ثانية، وإرهابهم لزوجته التي أغمي عليها، واستخدامهم موقعاً بالقرب من منزله، فاتصل بإخوانه في لبنان، وأخبرهم أنه سيعود قريباً جداً لمواصلة العمل الجهادي..
عاد هذه المرّة إلى جبشيت، مزوّداً بدعاء الإمام، ليتحرك في قرى الجنوب بهمة عالية وإيمان كبير، داعياً الناس إلى التمرد والعصيان على واقع الاحتلال البغيض.
الاعتقال الذي ألهب شرارة الرفض والمواجهة..
لم يكن العدو ليغفل عن تحركات الشيخ أو نشاطاته، فبثّ العيون والجواسيس، لتلاحقه وتترصده، حتى استطاعوا في نهاية الأمر تحديد المكان الذي يبيت فيه..
وفي الثامن من آذار عام 1983، وقرابة الساعة الثانية بعد منتصف الليل، دهمت قوة إسرائيلية كبيرة المنزل الذي كان يبيت فيه، وهو منزل ابن خالته، فدخلته بوحشية وقسوة، وعاملت الشيخ بجفاء وغلظة، واقتادته مكبّلاً معصوب العينين إلى مقر المخابرات بالقرب من بلدة زبدين، وهناك، قال له الضابط الإسرائيلي المدعو #quot;أبو عامر#quot;: #quot;ألم يكن من الأفضل أن نلتقي بغير هذا الشكل#quot;، فأجابه الشيخ (رضوان الله عليه): #quot;بل هكذا أفضل بألف مرة#quot;، ثم اقتيد إلى معتقل أنصار، وبعدها إلى مركز المخابرات في مدينة صور، حيث التف حوله كبار الضباط الصهاينة، ليتعرفوا على ذلك الرجل الذي أرهبهم، وأفسد عليهم الأمور..

وفي الاعتقال والأسر، مارس الأعداء أساليب الإرهاب والإذلال والتعذيب النفسي، ليوهنوا من عزيمته، ويضعفوا إرادته، وحاولوا أن يساوموه على أمور كثيرة، لكنهم اصطدموا بعناده القوي، وإصراره الكبير..
سألوه في التحقيق: #quot;ماذا يمثل الخميني بالنسبة إليكم#quot;؟
فأجابهم: #quot;هو إمامنا وقائدنا#quot;.
ــ #quot;هل تقاتلوننا لو أمركم بذلك#quot;؟
ــ #quot;نعم، بكل تأكيد#quot;.
ثم قالوا له: #quot;إن كلامك يثير الشباب ويدفعهم لقتالنا، فكيف سنحل هذه المشكلة#quot;..
فرد عليهم: #quot;هذه ليست مشكلتي، وإنما هي مشكلتكم أنتم، وعليكم حلّها#quot;.
ــ كيف سنحلّها؟
ــ برحيلكم عن أرضنا..
عرضوا عليه أن يغادر الجنوب وله ما يريد، فقال لهم:
#quot;لن أغادر الجنوب، وسأبقى على أرضه#quot;.
طلبوا منه لقاء في منزله، أو في أي مكان آخر، فأبى ورفض..
حدثوه عن رأيه في علاقات مستقبلية مع #quot;إسرائيل#quot;، فأجابهم: #quot;نحن كعلماء نرفض أي شكل من أشكال العلاقة مع إسرائيل في الحاضر وفي المستقبل#quot;..
وأسئلة أخرى كثيرة، ردّ عليها وأجاب عنها، وكانوا بعد كل ردّ وجواب يختنقون غيظاً وحقداً، ويظهرون خبثاً ولؤماً..
ولابد من الإشارة هنا، أنه وبعد اعتقال الشيخ مباشرة، خرج الناس إلى شوارع البلدة، وفكروا فيما يقومون به من عمل، ثم توجهوا إلى النادي الحسيني، وتداعوا إلى اعتصام مفتوح، حتى يتم إطلاق سراحه..
هذا الحدث، اعتبر يومها أول وأهم مظهر علني من مظاهر الرفض والمواجهة، فأهالي البلدة، وسائر أبناء القوى المجاورة لبّوا الدعوة إلى الاعتصام، وجاء الجميع يشارك إخوانه، أمّا الوفود القادمة من صيدا وبيروت فقد جاءت لتؤكد دعمها لهذه الخطوة الهامة في تاريخ العمل المقاومة، وقد بدأ الجنوب بكل مدنه وقراه يسير على هذا النهج، وسارعت وسائل الإعلام المحلية والعالمية، لتغطية الحدث الكبير فتحدثت عنه بإسهاب ونقلت وقائعه إلى مختلف شعوب العالم..
ولم تكد الأمور تبلغ الذروة، حتى أيقن العدو أن الأمر يسير بما لا يشتهي، وأن شرارة الرفض التي انطلقت من جبشيت، بدأت تتخطى حدود القرية لتصل إلى كل أرجاء الوطن، وأن اعتقاله للشيخ قد أمسى اعتقالاً لوجوده الغاصب، فاضطر وتحت وطأة الرفض الشعبي المتصاعد، أن يطلق سراحه، بعدما دامت مدة اعتقاله ما يقارب السبعة عشر يوماً، عجز العدو فيها عن تحقيق أيّة مكاسب.
ويعود الشيخ إلى عرينه، فتتدفق الألوف لاستقباله، وابتهج الناس، فلقد ربحوا الجدولة الأولى من الصراع، وأرغموا العدو على التراجع..
وآثر الشيخ توظيف هذا الانتصار، في خدمة المسيرة الجهادية، واستغلاله بما يذكي شعلة المقاومة، فعمل على تصعيد وتيرة الصراع مع العدو وبمختلف الأشكال بما فيها أشكال المواجهة المسلحة، وكان من أجل ذلك يلتقي مع المجاهدين، الذين يخوضون عملياتهم البطولية، ليسدد مسيرتهم، ويهتم بأحوالهم، ويوفر لهم سبل استمرار عملهم العسكري، ووسائل الدعم المادي والمعنوي، وأمست مواقفه التي كان يستعرضها في خطبة العديدة، تتسّم بالوضوح التام، والصراحة المطلقة..
تجلى ذلك إثر عودته من طهران، التي زارها في شهر كانون الثاني من عام 1984، حينها وفي ذكرى أسبوع الشهيد هاني شكر، ألقى خطبة نارية، حدد فيها مواقف هامة، تحدث خلالها عن ضرورة مقاتلة العدو، حتى ندحاره عن كامل التراب المقدس، ثم قال: #quot;لن نقبل بأنصاف الحلول، وإن من يمد يداً إلى عدونا، ويداً إلينا، نقول له، إما أن تكون كلّك معنا، أو كلك مع عدونا#quot;.
الاغتيال الآثم..
في تلك المرحلة المحتدمة من مراحل الصراع، كانت العمليات الجهادية للمقاومين المسلمين، تشتد وتتصاعد، لتهزّ الأرض تحت أقدام الغاصب المعتدي، وتلهب حصونه، وكانت الضربات المتلاحقة تقض مضجعه، وتلقنه درساً قاسياً، وتحولت بفعل ذلك، تلال الجنوب وأوديته إلى مصيدة لجنود الاحتلال..
ولقد كان الشيخ آنئذ، قائد المقاومة، ورائدها، فأرادوا أن يتخلصوا منه علّهم يطفئون الشعلة المتأججة..
ففي السادس عشر من شهر شباط، وفي ليلة الجمعة من عام 1984، وبعد أن أنهى الشيخ قراءة دعاء كميل، وبلّل وجه بدموع الخشية، توجه للسهر مع بعض إخوانه في بيت بجوار منزله، وأثناء خروجه، صوّب العملاء المرتزقة والمأجورون، بيدهم المرتجفة رصاص حقدهم الغادر، وهوى الفارس عن صهوة جواده، ليروي بدمه الطاهر عطش الأرض، مردّداً كلماته الأخيرة: #quot;الله أكبر، الله أكبر#quot;..
وفي صباح اليوم التالي ترددت أصداء الجريمة النكراء، في كافة المناطق، فأدمى ذلك قلوب المؤمنين، وقرح جفونهم، وتنادى عشرات الألوف من أبناء جبل عامل، احتشدوا في مهرجان الشهادة، يهتفون بملء حناجرهم، منددين بالاحتلال الغاصب مهددين بالثأر لدم الشهيد، معاهدين قائدهم الراحل على المضي في الطريق الذي رسمه بدمه..
ولقد أثبتت الأيام فيما بعد، أن دماء الشهيد السعيد الشيخ راغب حرب، لم تذهب هدراً، ولكنها تسامت وارتفعت، لتنبت في ربى الجنوب وعلى تلاله، مجاهدين شرفاء ومقاومين أشداء، جاهدوا العدو بسواعدهم الفتية وأرغموه على الفرار والهروب، مسجلين بذلك انتصاراً رائعاً، قلّ نظيره في تاريخنا الإسلامي المعاصر..
قراءة في بعض آرائه ومواقفه..
لقد كان الشيخ الشهيد شعلة متوهجة في درب المقاومة الإسلامية واستطاع بجهاده الكبير، أن يملأ حياته بألوان البطولة والكرامة، حتى توّجها بالشهادة، فامتزجت دماء جسده بمداد قلمه..
لقد وصل شيخ الشهداء إلى جوار ربه مخلفاً وراءه ــ فضلاً عن إنجازاته العلمية الكبيرة ــ أقوالاً بليغة، ومواقف مضيئة، تخاطبنا بأعلى الصوت، بمنتهى الصراحة والوضوح، فتهزّ أسماعنا وتستنهض عزائمنا..

في السياسة
كان يراها شيخنا الشهيد جهاداً دائماً في خدمة الناس، على المسلم أن يقوم به ليأخذ بيد الأمة إلى شاطىء الأمان، ولكن السياسة عنده، لم تكن كما هي اليوم في عصرنا الراهن حيث يتخذها السماسرة والتجار وسيلة لتحقيق غاياتهم، إنها برأيه، طريق التقوى السياسية، التي يستشعر فيها السائس خوف الخالق، فلا يظلم عباد الله، فيقول:

#quot;السياسة إذا كانت بتقوى الله، تستمر جهداً دائماً في خدمة الناس، أصلها أن السائس هذا يرعى ربه، فلا يظلم عباد الله، لا يظلم رعيته خوفاً من الله، عندما أخرجت السياسة من هذه الدائرة، ما الذي حدث؟!
أصبحت السياسية أسلوب استخدام الناس لرفعة الطواغيت#quot;.
في مواجهة الاحتلال
هذه المسألة، مسألة التقوى في العمل السياسي، هي التي جعلت الشيخ الشهيد، واضحاً في خطه، صريحاً في منهجه، وهي التي حرضته على التصدي لكل أمر يتعلق بمصير المسلمين، صغيراً كان هذا الأمر أم كبيراً، وهي التي دفعته أيضاً ــ وبعد أن سقط كثيرون ــ ليكون في طليعة الرافضين لواقع الاحتلال، فيقول:
#quot;نحن قلنا باسم الله كلمة سنقف عندها، إنه لن نقبل بهذا الوضع (وضع الإحتلال)، وقد أعلن الإمام الخميني Q كلمة المقاومة واضحة صريحة، وحكم الله بيِّن واضح، سنقف عند هذا الأمر، سنستمر به، ماذا سيكلف، مائة ألف، مائتين لا مانع#quot;.
عن الخائن والعميل
مما لا شك فيه أن الاجتياح الصهيوني للبنان كان حدثاً مذهلاً، شكل عند الكثيرين من الناس صدمة كبيرة، وتساقطت أمام أهواله المرعبة تيجان ورؤوس ومواقع، ومدّ البعض يده لمصافحة الجلاد، وسجد البعض الآخر على أعتابه، وسبح نفر بحمده وقدّس، إنهم العملاء الذين ارتضوا لأنفسهم أن يكونوا عبيداً، يقدمون خدماتهم الرخيصة للأعداء، في ظل مبررات وأعذار واهية، مما دفعهم ليكونوا يداً للعدو على ذويهم، وكان الشيخ الشهيد يرى ببصره الثاقب أن هؤلاء يمارسون دوراً خطيراً، فراح يحذر الأمة وينبه الشعب من آثارهم ويدعو الناس لاعتزالهم ونبذهم واحتقارهم، فيقول:
#quot;هؤلاء العملاء تبلغ بهم الحقارة حداً أنه لا كرامة لهم، لأنّ الذي يجعل من يده يداً لعدوه على أبيه وأمه، هذا لا كرامة له، ولا شرف، ولا دين، ولا إنسانية، ولا شهامة، هؤلاء ليسوا منّا في شيء#quot;.
عن اتفاق السابع عشر من آيار
ولقد أراد العدو أن يستغل انهزام الناس وانسحاقهم أمام هجمته الشرسة، فدفع بالنظام اللبناني وزبانيته لإجراء مفاوضات مباشرة من أجل الحصول على ترتيبات توفر للغد ضمانات أمنيّة ومكاسب سياسية، حيث نجح بإنتاج اتفاق السابع عشر من آيار..
ولقد كان يدرك الشيخ الشهيد مدى الأخطار التي ستصيب المسلمين من جراء ذلك، وكان يعي تماماً أن تقديم ضمانات أو ترتيبات أمنية للعدو الغاصب، هو ذلك وعار واستسلام، فوقف قائلاً:
#quot;نحن لن نقدم لأحد ضمانات على حساب كرامتنا وديننا، يجب أن تخرجوا، وكلما بقيتم في أرضنا أكثر، كلما قيّض الله أن نخرجكم مذمومين مدحورين#quot;.
عن معسكرات الاعتقال
وعندما تجاوز الناس مرحلة الخوف والذعر، والتقطوا أنفاسهم، ونهضوا من رقادهم، رافعين أصواتهم بوجه المحتل، عمد العدو لإسكات صوت الحق الهادر، وخنق الأصوات الحرّة الشريفة، وملاحقة المجاهدين المؤمنين، واعتقال الأعداد الكبيرة من الشبان، يومها وقف شيخ الشهداء يخاطب المحتلين من على منبره، مبيّناً لهم أنّ الاعتقال لن يزيدنا إلا إصراراً على المواجهة، وتصميماً على المعركة:
#quot;يجب أن يفهموا، أنهم إذا أرادوا أن يمارسوا الاعتقال وسيلة لسكوتنا على احتلالهم، فعليهم أن يفتتحوا آلاف الآلاف من المعتقلات، عليهم أن يجهزوا فرق تحقيق مع 750 ألف رجل وطفل وشاب، عليهم أن يجهزوا للتحقيق مع الأجنةّ في بطون نسائنا، لأنها بالتأكيد ستولد، وسيرضع أطفالنا بغض اليهود وكرههم#quot;.
في ضرورة استمرار المقاومة
ومع مضي الأيام، تتصاعد المواجهة مع العدو، فيجند كل بطشه وتعسفه وإرهابه، ليواجه انطلاقة المقاومة الإسلامية المتأججة، بالاعتقال والتشريد تارة، وبالملاحقة تارة أخرى، محاولاً بذلك إخماد جذوة الجهاد، ولكن المقاومة ــ ومع تزايد ممارسات العدو الإرهابية ــ كانت تتوقد وتستعر، وهي كما يعبر الشيخ الشهيد، مصرّة على المضي في طريق ذات الشوكة، مهما كلف ذلك من ثمن، ومهما بلغ من تضحيات:
#quot;إننا ننتظر الجوع، نحن مرشحون لأن نصبح جياعاً، لذلك علينا أن نقرر موقفنا، ونستمر بالمقاومة لهذا العدو مهما كلّف الثمن، فإن استشهد منا مائة ألف وبقينا أعزاء خير لنا من أن ننصاع لأوامر العدو#quot;.
عن الأمم المتحدّة ولجنة حقوق الإنسان
وعن الأمم المتحدة وقراراتها، هذه الهيئة التي أنشئت لتكون شاهد زور على جرائم الدول الكبرى، فإن الشيخ الشهيد لم يكن يرى فيها سوى حقارات أنتجها الشياطين الكبار، لتكون ستاراً لاعتداءاتهم، وغطاءً شرعياً لعدوانهم:
#quot;انتهى الزمن الذي نشكو فيه إلى ظالمينا، إلى الأمم المتحدّة، لجنة حقوق الإنسان، هذه حقارات، كلّها حقارات، أين هي لجنة حقوق الإنسان؟! أين العالم الحر المتمدن؟! طائرات جاءت أول الأمر لتنشر السلام، تسمح لنفسها أن تقصف بلدة آمنة مطمئنة#quot;.

 

    التوقيع    
فداء الحسين
رد مع اقتباس